توفيق أبو علم

142

السيدة نفيسة رضي الله عنها

الشمائل ، فقد برأها اللَّه من معدن التقى ونبيل الشيم ، فكان أبوها يأبى عليهم إجابة طلبهم ، ويردّهم ردّاً جميلًا ، إلى أن أتاه إسحاق المؤتمن ابن جعفر الصادق رضياللَّه عنهما ، وكانت دار الحسن قبالة دار جعفر الصادق ، فخطبها من أبيها ، فلم يردّ عليه جواباً ، فقام إسحاق من عند الحسن ، وفي نفسه ما فيها ، وذهب توّاً إلى المسجد النبوي ، ودخل الحجرة الشريفة ، ووقف تّجاه القبر في خشوع وإجلال ، فقال : يا رسول اللَّه ، إنّي خطبت نفيسة بنت الحسن من أبيها فلم يردّ عليّ جواباً ، وإنّي لم أخطبها إلّالخيرها ودينها وعبادتها . ثم انصرف ، وقد انشرح صدره واطمأنّت نفسه . ففي تلك الليلة رأى أبوها الحسن جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله في النوم ، وهو يقول له : « يا حسن زوِّج نفيسة من إسحاق المؤتمن » فما أفاق من نومه حتّى بعث إلى إسحاق يستدعيه إليه ، فسارع إليه ، وما إن جلس بين يدي الحسن حتّى أخبره برؤياه ، وما لبث أن عقد له على ابنته في حفلٍ جمع جمهرةً من آل بيت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، وجماعة من أشراف قريش ، وكان ذلك في سنة إحدى وستّين مائة « 1 » . وبعد أن جهّزها أبوها وجليت لزوجها ، بنى عليها في دار أبيه جعفر الصادق بالمدينة ، وهي الدار التي كان يسقى فيها الماء الذي تصدّق به جعفر رضي الله عنه ، وكانت تلك الدار قبلًا لحارثة بن النعمان الأنصاري الخزرجي ، من بني النجّار ، وكان من فضلاء صحابة الرسول صلى الله عليه وآله ، وقد قال صلى الله عليه وآله : « دخلت الجنّة فسمعت قراءةً ، فقلت : من هذا ؟ فقيل : حارثة بن النعمان » فقال صلى الله عليه وآله : « كذلكم البرّ » . وكان بَرّاً بأُمّه ، وكان قد ذهب بصره ، فاتّخذ خيطاً في مصلّاه إلى باب حجرته ، فكان إذا جاءه مسكين أخذ من مكتله شيئاً ثم أخذ بطرف الخيط حتّى يناوله ، فكان أهله يقولون له : نحن نكفيك ، فيقول : إنّي سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول : « مناولة المسكين تقي مصارع السوء » . وكان قبالة تلك الدار في الغرب دارالحسن بن زيد ، وهو أطمّ ، كان الحسن قد ابتاعه ، فخاصمه فيه أبوعوف النجاري ، فهدمه حسن فجعله داراً مشيّدة البنيان ، عالية الأركان ، تحوطها الكرامة ، ويرفرف عليها الشرف والجلالة . وبزواج السيّد إسحاق من السيّدة نفيسة اجتمع في بيتها نوران : نور الحسن والحسين

--> ( 1 ) راجع خطط المقريزي : ج 4 ص 327 .